فتح الله الصائغ الحلبي

42

رحلة فتح الله الصائغ الحلبي

هذه بشارة خير ، إذ تدل على أن نوايانا وقلوبنا متفقة . وأنت عندي مثل ولدي ، وسوف ترى مني أشياء لم يرها قط أحد من أمثالك ، بل لم يسمع بها من هم أكبر منك سنا . ثم خرجنا نتنزه بالبلد ، وأول شيء عملناه هو السؤال عن دكان نوفل السنكري . فذهبنا عنده وقلنا له : قم ودر بنا اليوم في بلدك ونحن نعطيك ما ستكسبه من مهنتك « 29 » . فأغلق « 30 » دكانه وبدأ يدور بنا في حمص . ولا حاجة لإطالة الكلام عن هذه المدينة فهي معروفة مشهورة في الآفاق . ولكن بالمختصر « 31 » ، إنها بلد طيبة الهواء جدا ، يبعد العاصي عنها نحو ساعة ، ولكن أهلها حفروا خليجا من العاصي إلى البلد ليستقي من مائه نحو ثمانية آلاف نسمة ، وهي حصينة ، يدور بها سور من الحجر الأسود ، ولها أربعة أبواب تغلق عند المغرب وتفتح وقت طلوع الشمس ، وفي وسطها قلعة على شكل « 32 » قلعة حماة وحلب ، ولكنها خراب . وبينما نحن نتجول مررنا بدكاكين تصنع فيها الفروات الغنيميّات « 33 » ، وجهها جلدها « 34 » ، وتصبغ عادة باللون الأحمر . فاشتريت فروتين ، كل واحدة بعشرين غرشا ، لأنها صالحة جدا للسفر ، على الطريق ، وللنوم ولو تحت الثلج ، وتدفّئ كثيرا . 2 / 7 ثم استأجرنا غرفة بالخان ، ونقلنا حوائجنا ورزقنا وبتنا تلك الليلة فيها ، وقلنا / لنوفل أن يحضر عندنا غدا ، لأننا كنا مسرورين جدا منه . فهو رجل حلو الطباع ، حسن السلوك ، متواضع ، طلق اللسان ، خبير بالأمور التي نريد معرفتها . فحضر في اليوم الثاني فقلنا له : يا عزيز ، نرجو منك أن تبقى معنا وفي خدمتنا طول مدة إقامتنا في حمص ، فلا تشتغل وليكن عملك معنا . ثم سألناه عن كسبه اليومي فقال ثلاثة غروش . فقلنا له نحن نعطيك أربعة . فاستكثر الرجل بخيرنا وقال مهما أردتم فأمروني به . وكان الخواجة لاسكاريس يرغب في هذا الرجل ، لأنه بحكم عمله ، له معرفة جيدة بعشائر العرب . فهو يذهب عندهم كل سنة ، ويشتغل ستة أشهر الصيف ، إذ يكون العربان

--> ( 29 ) « كارك » . ( 30 ) « سكّر » . ( 31 ) « بالمقنصر » . ( 32 ) « كسم » . ( 33 ) من جلد الأغنام . ( 34 ) الجلد يكون إلى الخارج والصوف إلى الداخل .